شهدت العلاقات المصرية – التركية تقاربًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، انعكس في تنفيذ مناورات وتدريبات مشتركة، أبرزها مناورات جوية في القواعد العسكرية بمصر شملت مقاتلات متعددة المهام مثل إف-16 ورافال، بالإضافة إلى مناورات بحرية تحت مسمى "بحر الصداقة" في مياه البحر المتوسط، ومشاركة متبادلة في مناورات دولية مثل مناورات "نسر الأناضول".

 

وعلق قسطنطينوس فيليس، مدير معهد الشؤون الدولية (IGA)، والأستاذ في الكلية الأمريكية باليونان على هذا التقارب في تحليل نشرته صحيفة "كاتيميريني"، قائلاً: "في الآونة الأخيرة، تزايدت وتيرة التقارب بين مصر وتركيا بشكل ملحوظ. في الوقت نفسه، يُلاحظ فتور متبادل في العلاقات اليونانية المصرية، بدأ مع قضية دير سانت كاترين الذي تضرر بشدة، واستمر مع الإهمال المتبادل في اطلاع الطرفين على الإجراءات المتعلقة بالمناطق البحرية". 

 

أسباب التقارب بين مصر وتركيا 

 

وأضاف: "صحيح أن التواصل بين وزيري الخارجية متكرر، وأن اليونان سهّلت مؤخرًا صرف أموال أوروبية لدعم الاقتصاد المصري المتعثر، إلا أن الزخم الإيجابي الذي ساد السنوات الماضية يبدو أنه قد تراجع حاليًا، حيث يُلاحظ ميل في القاهرة نحو أنقرة، وذلك لأربعة أسباب:

 

أولاً: تواجه حكومة السيسي ضغوطًا نتيجة الانفجار السكاني (حوالي 115 مليون نسمة) وتدفق المهاجرين، فضلاً عن الانخفاض الكبير في عائدات قناة السويس والسياحة، ما يدفعها للبحث عن رؤوس الأموال والاستثمارات. 

 

وبذلك، أصبحت أكثر عرضة للإغراءات التي تدفعها للمشاركة في التكتلات الإقليمية. تركيا مستعدة للاستثمار، لا سيما في القطاع الصناعي. أما السعودية، فتُقدم دعمًا سخيًا للاقتصاد المصري، ولها مطلب منطقي بأن تحذو القاهرة حذوها في خيارها الاستراتيجي المتمثل في بناء تحالف بين أقوى دولتين عربيتين مع باكستان وتركيا. 

 

في هذا التحالف، تكمن القيمة المضافة لباكستان في أسلحتها النووية، ولتركيا في قواتها المسلحة ومكانتها في حلف الناتو، أما لمصر فتتمثل في جيشها الكبير عدديًا، وقربها من غزة، ونفوذها في العالم العربي.

 

ثانيًا: يُنظر إلى إسرائيل، في ظل قيادتها الحالية، على أنها طرف غير مستقر. حتى الدول التي تعاونت معها تقليديًا، كالأردن ومصر، تشكك في نواياها. فالمصريون والأردنيون ليسوا مقتنعين بعد بأن الإسرائيليين لن يدفعوا الفلسطينيين في نهاية المطاف إلى أراضيهم. 

 

وبشكل عام، أصبحت إسرائيل عاملًا محفزًا للعديد من الفاعلين الإقليميين للبحث عن أوجه تعاون، ولو مؤقتة، لمنعها من فرض أجندتها المتطرفة. وعلى الرغم من اختلاف التنافس بين كل دولة على حدة مع إسرائيل، وكذلك طموحاتها (فالهيمنة التركية، على سبيل المثال، لا تروق للسعودية ومصر)، فإن معظم الدول توحد جهودها، ويعود ذلك جزئيًا إلى انهيار ثقتها بالولايات المتحدة.

 

ثالثًا: في ليبيا، ظلّت مصر وتركيا على طرفي نقيض لما يقارب 15 عامًا. إلا أنه في الآونة الأخيرة، تواصلت تركيا مع السلطات في شرق ليبيا، عارضةً عليها مساعدات مالية، وربما ضمانات بتأمين موقعها في حال انتصار قوات الحكومة المعترف بها، ومنحت حفتر نوعًا من الشرعية بفتح قنوات اتصال معه. 

 

ولا يُستبعد أن تكون أنقرة قد حاولت التوسط بين الأطراف المعنية، وعلى أي حال، فإن سياستها في ليبيا اليوم أكثر توازنًا، وهو ما أسعد القاهرة التي كانت تعتبر أي غزو محتمل من قبل الجماعات الجهادية تهديدًا خطيرًا لأمنها، ولذا استخدمت القوات المحيطة بحفتر كمنطقة عازلة، سعيًا للسيطرة على حدودها الغربية. 

 

ومع عدم استعادة الثقة، خفّ التوتر بين البلدين، إلا أن تعاون مصر الوثيق مع الإمارات العربية المتحدة في ليبيا، بينما لا يزال الخلاف قائمًا بينهما حول السودان، يُشير إلى هشاشة الوضع الإقليمي.

 

رابعًا: في السودان الذي يعاني منذ زمن طويل، حيث نزح 14 مليون شخص ويحتاج 20 مليونًا آخرون إلى الغذاء بشكل عاجل، وجدت مصر وتركيا آلية عمل مشتركة. خيث يُوصى بتقارب جهودهما في دعم الحكومة السودانية والفريق أول عبدالفتاح البرهان ضد قوات الدعم السريع، حيث تُقدم تركيا طائرات مسيرة للقوات المسلحة السودانية وخدمات إضافية، مما يُغير موازين القوى لصالحها. 

 

لا يبدو أن مصر منزعجة من نية تركيا تعزيز وجودها البحري في السودان، مما يُهيئ الظروف لعودتها الكاملة كفاعل إقليمي مهم في شمال إفريقيا، لأن القاهرة تُولي اهتمامًا بالغًا حاليًا لأمن حدودها، وبالأخص لتحقيق الاستقرار التدريجي في السودان، الذي يُشكل مصدر خطر كبير ليس فقط بسبب تدفق اللاجئين، بل أيضًا بسبب شبكات تهريب الأسلحة والجماعات المسلحة.

 

الصناعات الدفاعية التركية

 

من المزايا الإضافية لتركيا صناعتها الدفاعية، إذ يمكنها أن توفر لمصر إمكانية الوصول إلى المعدات الحديثة وحتى الإنتاج المشترك، في حين إنها قطعت علاقاتها تقريبًا مع جماعة الإخوان المسلمين، مطالبةً على وجه الخصوص أعضاء الجماعة الذين تستضيفهم بالتزام الصمت التام تجاه السيسي. ولنتذكر دائمًا اعتراف وزير الخارجية المصري الأسبق سامح شكري لنظيره اليوناني بأن مشكلة بلاده لا تكمن في الشعب التركي، بل في أردوغان.

 

وبحسب التحليل، فإنه لدى القاهرة وأنقرة أسباب وجيهة لإصلاح علاقاتهما المتوترة، إلا أن طموحات تركيا للهيمنة في الجوار الأوسع ستؤدي على المدى المتوسط إلى الطويل إلى إعادة إشعال نار انعدام الثقة وتضارب المصالح. وفي غضون ذلك، ستسعى تركيا منطقيًا إلى الحصول على توقيع تعريف للمنطقة الاقتصادية الخالصة.

https://www.kathimerini.gr/opinion/564311164/giati-i-aigyptos-erchetai-pio-konta-stin-toyrkia/